الخميس، 1 أغسطس 2019


إعطاء الصيغة التنفيذية لقرار تحكيمي اجنبي جرى ابطاله امام القضاء الوطني.


بتاريخ السادس من يناير1999 وقعت الشركة الوطنية المصرية للغاز مع الشركة الوطنية للبترول (قطاع عام) عقد تمديد الغاز لمنطقتين في شرق مصر.

انه بسبب التعديل في قيمة الجنيه المصري المقرر من قبل السلطات المصرية بتاريخ 28 يناير2003, طالبت شركة الغاز الشركة الوطنية للنفط بتحمل جزء من الأعباء النقدية المترتبة على التعديل.

ان الشركة الوطنية للنفط رفضت هذا الامر مما دفع شركة الغاز الى وضع البند التحكيمي الذي يتضمنه العقد موضع التنفيذ وذلك امام المركز الإقليمي للتحكيم التجاري في القاهرة.

انه بتاريخ 12 سبتمبر 2009, أصدرت المحكمة التحكيمية قرار تحكيميا قضى:

-     برد الدفع بعدم القبول المتعلق بانتفاء صفة الشركة الوطنية للبترول.
-     برد الدفع ببطلان العقد بسبب مخالفته احكام الدستور المصري.
-    برد الدفع ببطلان البند التحكيمي.
-    وحكم على الشركة الوطنية للبترول بان تدفع مبلغا من المال الى شركة الغاز مضافا اليها الفوائد القانونية.

ان رئيس محكمة البداية في باريس قد قرر بأمر قضائي صادر بتاريخ 19 مايو 2010 إعطاء الصيغة التنفيذية في فرنسا للقرار التحكيمي المصري.

انه في هذه الفترة أصدرت محكمة الاستئناف القاهرة بتاريخ 27 مايو 2010 قرار قضى بإبطال القرار التحكيمي لكون المحكمة التحكيمية لم تحصل على الموافقة المسبقة للوزير المختص لإجراء التحكيم.

ان الشركة الوطنية المصرية للبترول استأنفت الامر القضائي القاضي بإعطاء الصيغة التنفيذية للقرار التحكيمي وذلك امام محكمة استئناف باريس مدلية ان المحكمة التحكيمية قد اعتبرت خطأ نفسها مختصة باعتبار ان البند التحكيمي كان قد تم التنازل عنه مع العقد الأساسي الى شركة (أي غاز) وذلك نتيجة قرار الزامي من وزير النفط المصري وان البند التحكيمي باطل باعتبار انه يخالف النظام العام.

كما اضافت الشركة الوطنية المصرية للبترول ان المحكمين قد خالفوا مبدأ الوجاهية باعتبار انهم قبلوا مستندات بعضها غير قابل للقراءة من قبل شركة الغاز وان هذه المستندات كان يجب ان تعرض للنقاش على خبراء.

وأخيرا اضافت الشركة الوطنية المصرية ان القرار التحكيمي قد جرى ابطاله في مصر بحكم قضائي نهائي مما ينفي إمكانية إعطاء الصيغة التنفيذية في فرنسا لقرار تحكيمي باطل في مصر.

اما شركة الغاز فطلبت بتأييد الامر القضائي القاضي بإعطاء الصيغة التنفيذية معتبرة انه يقتضي رد الدفع بانعدام صفة الشركة الوطنية للنفط ذلك ان التفرغ عن العقد بين هذه الأخيرة وبين شركة (أي غاز) لم يكن قد تم إبلاغه اليها ولم تكن قد أعطت رضاها حوله وبالتالي لا يمكن الاعتداد به بوجهها.

اضافت شركة الغاز ان الدفع بعدم احترام مبدأ الوجاهية يقتضي رده باعتبار ان المحكمة التحكيمية كانت قد أعطت الوقت اللازم للفرقاء لدراسة الأوراق المقدمة للنقاش وان هذه المحكمة ردت الدفع بعدم الاختصاص المقدم بصورة متأخرة.

وأضافت أخيرا, ان النظام العام المصري المبطل للعقد الأساسي هو نظام عام داخلي لا يمتد أثره الى النظام العام الدولي وان بطلان القرار التحكيمي في مصر يكون غير ذي أهمية على إعطاء الصيغة التنفيذية في فرنسا.

محكمة الاستئناف الفرنسية اعتبرت ان البند التحكيمي يعتبر مستقلا عن العقد الذي يحتويه بطريقة ان وجود او فعالية هذا البند يتم تقديرها وفقا لإرادة الفرقاء مع وجوب احترام الاحكام الإلزامية الفرنسية ودون ضرورة اللجوء الى القانون المصري. 

بالتالي, اعتبرت محكمة الاستئناف انه وان تم اعتبار التنازل عن العقد قائما الا ان ذلك لا يؤثر على فعالية البند التحكيمي المنصوص عليه في العقد الأساسي الموقع سنة 1999. وأضافت ان أوراق الملف تبين ان الشركة الوطنية للنفط استمرت في التعامل مع شركة الغاز بحيث ان إرادة الفرقاء اتجهت الى الاستمرار في تنفيذ الموجبات التعاقدية الناشئة عن العقد الموقع في سنة 1999.

من جهة أخرى, اعتبرت محكمة الاستئناف الباريسية ان نظامية القرارات التحكيمية يتم فحصها وفقا لقواعد الدولة التي سيتم تنفيذها فيها وان الموجب الوحيد للقاضي الفرنسي في هذه الحالة هو احترام قواعد النظام العام الفرنسي. وأضافت ان اتفاقية التعاون القضائي بين فرنسا ومصر لم تجعل من ابطال القرار التحكيمي في مصر سببا لرفض إعطاء الصيغة التنفيذية في فرنسا.

اما فيما خص الدفع بعدم احترام مبدأ الوجاهية، فان محكمة الاستئناف اعتبرت ان هذا المبدأ يعني ان على المحكمين ان يتأكدوا من ان الفرقاء قد تبادلوا طلباتهم في الوقائع والقانون وانهم استطاعوا مناقشتها بين بعضهم وان هذا المبدأ لا يعني, على الاطلاق ,ان على المحكمة التحكيمية ان تأخذ الرأي المسبق للفرقاء فيما يتعلق بالتعليل القانوني الذي ستعتمده هذه الأخيرة.

وأضافت محكمة الاستئناف ان أوراق الملف تبين ان المحكمة التحكيمية كانت قد أعطت فرصة أخيرة للفرقاء لتقديم مذكرة نهائية بعد انتهاء المرافعات لتقديم تصورهم حول النقاط الجديدة التي أثيرت في المرافعة وان المستشار القانوني للشركة المدعية بعدم احترام مبدأ الوجاهية قد قدم مذكرته.

لجميع هذه الأسباب قررت محكمة الاستئناف تأييد الامر القضائي الصادر عن قاضي الدرجة الأولى والذي قضى بإعطاء الصيغة التنفيذية للقرار التحكيمي المصري.

(قرار صادر عن محكمة استئناف باريس بتاريخ 21 مايو 2019 – رقم الملف 17/19850 )

اعداد الدكتور رشاد قبيسي
محامي بالاستئناف في باريس.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.