السبت، 25 يناير 2020

عدم جواز الاعتداد بالسرية المصرفية من قبل المصرف عندما يكون طرفا في الدعوى.


في تسعينات القرن الماضي، فتحت شركة (سعد للاستثمار) التي تحمل جنسية جزر الكايمن البريطانية حسابا مصرفيا لها في مصرف (أي اف اي) الفرنسي.
خلال سنة 2009, حولت هذه الشركة، من حساب اخر لها في مدينة زوريخ السويسرية الى حسابها في المصرف الفرنسي، مبلغ خمسين مليون يورو, ثم قامت في اليوم نفسه بتحويل هذا المبلغ الى حساب شركة أخرى (شركة دانا) المفتوح في المصرف الفرنسي.
لاحقا، خضعت شركة (سعد لاستثمار) لإجراءات التصفية القضائية في جزر الكايمن ووفقا لقانونها، الامر الذي سمح للمصفين القضائيين بالتقدم امام قاضي الأمور المستعجلة في باريس لإصدار امر قضائي بتعيين "مأمور تنفيذ" ليقوم بالكشف على مستندات المصرف بهدف اثبات ان التحويل الذي تم لمصلحة شركة (دانا) كان مخالفا للقوانين المصرفية او لإثبات ان المصرف كان قد سهل او كان يعلم ان هذا التحويل قد هدف الى تهريب أصول شركة (سعد للاستثمار) التي كانت تعاني وقتها من صعوبات مالية.
قاضي الأمور المستعجلة في باريس قام بتعيين "مأمور التنفيذ" مع إعطائه مهمة البحث عن تلك المستندات في المصرف ولا سيما فيما بتعلق بالشركات المذكورة، كما سمح له باخذ نسخة عنها.
لاحقا، تقدم المصرف بطلب امام قاضي الأمور المستعجلة نفسه، طالبا التراجع عن الامر القضائي الأول، الامر الذي رفضه القاضي المذكور. مما دفع البنك لاستئناف القرار القضائي بالرفض.
امام محكمة الاستئناف، ادلى المصرف بان السرية المصرفية تشكل عائقا مشروعا يمكن الاعتداد بوجه القاضي بحيث انه يمكن للمصرف ان يمتنع عن تسليم وكيل المصفي القضائي المستندات المتعلقة بالحالة المالية لزبونه، وأضاف ان احترام مبدأ السرية المصرفية يعلو على حق المصفي القضائي بالوصول الى معلومات دقيقة حول هذه الحالة المالية.
أضاف المصرف ان شركة (سعد للاستثمار) التي تخضع لإجراءات التصفية وفقا لقانون جزر الكايمن لا يمكنها الاعتداد بالحالات الاستثنائية التي يسمح فيها القانون الفرنسي بخرق السرية المصرفية.
محكمة الاستئناف اعتبرت ان السرية المصرفية لا يمكن الاعتداد بها بوجه المصفي القضائي للشركة نفسها التي كانت زبونة المصرف وأضافت ان القواعد القانونية الفرنسية التي تعطي استثناءات على السرية المصرفية تكون قابلة للتطبيق على الشركات الاجنبية طالما ان المصرف الذي تمت فيه هذه العمليات السرية يقع مركزه التجاري في فرنسا.
محكمة التمييز الفرنسية، ذهبت الى ابعد من ذلك، واعتبرت ان السرية المصرفية المنصوص عنها في المادة 551-33 من قانون النقد والمال لا تشكل عائقا مشروعا يعتد به بوجه القاضي عندما يكون طلب تسليم المستندات مقدما بوجه المصرف بصفته طرفا في الدعوى الهادفة الى اعمال مسؤوليته الشخصية، بحيث ان المصرف لا يعتبر في هذه الحالة من الغير الذي يحق له الاعتداد بالسرية المصرفية. واضافت ان المادة السادسة من الاتفاقية الدولية لحماية حقوق الانسان والحريات الأساسية توجب إعطاء المستدعي إمكانية الوصول الى معلومات لدى المصرف بهدف استخدامها ضد المصرف نفسه في دعوى مسؤولية تقام امام قضاة الأساس.

(قرار صادر عن محكمة التمييز الفرنسية، الغرفة التجارية، بتاريخ 29 نوفمبر 2017, رقم الطعن: 16-22060).
اعداد الدكتور رشاد قبيسي
محام بالاستئناف في باريس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.